يُضفي بارك تشان-ووك، مخرج «أولدبوي» و»الخادمة»، لمسةً كوميدية على حكاية قاسية عن موظف يُدفَع إلى حافة الانهيار. الرأسمالية تُعطي، والرأسمالية تأخذ. هذه إحدى الحقائق الباردة المألوفة في فيلم بارك تشان-ووك «لا خيار آخر»، القاسي والكوميدي على نحوٍ استعراضي.
إنّه نوبة هلع معاصرة تتمحور حول ربّ أسرة من الطبقة الوسطى يمتلك كل المقوّمات المعتادة: زوجة محبّة، طفلان لطيفان، ومنزل يقع في مكان جميل. في الخارج، يلهو كلبان ذهبيان، ويدخلان بيوتاً للكلاب ستُخلى قريباً، تماماً كما ستُخلى أحلام الرجل. في بعض القصص، قد يردّ بالانكفاء إلى كرسي الاسترخاء والانجراف في ضباب من الخيبة المريرة. لكنّ هذا المواطن النموذجي يبتكر طريقاً آخر، وتبدأ الدماء بالسيلان.
«لا خيار آخر» حكاية وحشية لزمنٍ وحشي، مشبعة بفكاهة آكلة ومقدَّمة بالبراعة المعتادة لبارك. يستند الفيلم إلى رواية دونالد ويستليك الصادرة عام 1997 بعنوان «الفأس»، التي تروي قصة مدير في شركة ورق يُسرَّح من عمله، لينتهي به الأمر إلى أخذ الأمور بيَده (وقد حُوِّلت الرواية أيضاً إلى فيلم عام 2005 بعنوان Le Couperet من إخراج كوستا-غافراس).
في «لا خيار آخر»، يُفصَل البطل مان-سو (لي بيونغ-هون) فجأة بعد أن تستحوذ شركة أميركية على الشركة الكورية الجنوبية التي عمل فيها طويلاً. لقد ساعد شركته القديمة في تحقيق أرباح طائلة، إذا استعرنا تعبيراً تجارياً في محلّه، ليُجعل بعدها زائداً عن الحاجة بلا مقدّمات.
بصياغة مقتبسة وضعها بارك وعدد من الكتّاب الآخرين، يتتبّع السرد مان-سو من سكونٍ عاجز إلى عدم استقرارٍ صاخب، من أمان موقعه في شركة الورق إلى فصله المفاجئ واليأس المتصاعد الذي يعقبه. تتسارع الأحداث مع استلام المالكين الجدد زمام الشركة، فنرى مان-سو وآخرين يتسكّعون في أرض المصنع، فيما يُبقون الآلات الهائلة الصمّاء تعمل. وعلى رغم من الخطاب الناري الذي أعدّه للاحتجاج على تقليصات المالكين الجدد القاسية، يُطلَق سراحه سريعاً من الشركة التي، كما ينوح، «استعبدته 25 عاماً».
الإنتاج الصناعي للشركة، من اللُّب إلى الورق، يعمل كاستعارة ماكرة للعمل ذاته، ولو لأنّ المنتج النهائي ينتهي حتماً في القمامة. حين يتجوّل مان-سو في أرض المصنع، تستدعي صورته وسط الأجزاء المخيفة المتحرّكة بلا توقف فيلم تشارلي تشابلن «الأزمنة الحديثة» (1936)، إذ يُبتلع عامل خطّ التجميع في أحشاء الآلة نفسها. ومنذ ذلك الحين، مضغ نظامٌ اقتصادي جشِع عمّالاً آخرين في السينما (غالباً في الوثائقيات) وبصقهم، بينهم «الرجل العادي» المختلّ الذي أدّاه مايكل دوغلاس في «السقوط الحرّ»، وهو عامل دفاع سابق يُندِّد بحمايته لأميركا ليُكذَّب في النهاية.
على النقيض، يكافح مان-سو للتكيّف مع واقعه الجديد والعثور على وظيفة أخرى، فيما تُشدّ زوجته ميري (سون ييجين) النفقات. بعد وقت قصير من فصله، يحضر نوعاً من مجموعات الدعم للرجال العاطلين من العمل، مكرّراً عبارات تأكيد تمسّد الأنا، وجالساً في دائرة تُحاكي الآلات في شركته القديمة؛ فاغتراب العمل لا يلد إلّا مزيداً من الاغتراب. وفي مشهد آخر، ينتهي به المطاف راكعاً خارج حمّام في شركة مختلفة، متوسّلاً وظيفة. إنّها صورة مُهينة، يستثمرها بارك الذي يميل إلى لَيّ كل سكّين مغروسة بعمق، لفكاهة غير مريحة. يقول مان-سو عن عائلته: «عرضنا منزلنا للبيع»، مضيفاً أنّهم «ألغوا نتفليكس» أيضاً.
تتخلّل هذه المشاهد حركة كاميرا بارك النشطة المنقضّة، لتعمل كمقدّمة كوميدية مضيئة للطبق الرئيسي المقلق، إذ يلجأ مان-سو إلى إجراءات عنيفة بالغة التطرّف. في يأسه، يتّجه إلى القتل، قرار (يشعر أنّه لا خيار آخر أمامه) يجعله يتعقّب رجالاً آخرين يراهم منافسين. من الصادم تقريباً مدى السرعة التي يلجأ بها إلى أقصى الحدود؛ ويبدو ذلك إلى حدّ كبير حتميةً كتابية في السيناريو لا تنسجم مع نزاهة مان-سو وعينَيه الرقيقتَين المتوسلتَين. يُنقِّب بارك في المسافة بين لطف مان-سو وضراوة أفعاله، غير أنّ تعقيدات الشخصية تخدمها أفضلية أداء لي الحسّاس والمتنوّع، بما يحمله من مدٍّ وجزرٍ بين الدفء والغضب المتأجّج.
يسهل الإعجاب بـ»لا خيار آخر» من لقطة متوازنة تماماً إلى التي تليها؛ ومن الممتع مشاهدة كيف يلعب بارك بالحيّز البصري ويوظّف بعض الكوميديا التهريجية بدقة توقيت حادة وببراعة تشبه آلات روب غولدبرغ. لو كانت نبرات الفيلم ومزاجاته مضبوطة بقدر أداء بطلَيه النابضَين وغالباً المؤثّرَين. يمنح كلٌّ من لي وسون شخصيّتَيهما عمقاً شعورياً يخترق المبالغة في الأداء، الأفواه المتفلّتة والعيون الجامحة. يحبّ بارك التطرّف لكن في «لا خيار آخر»، تستنزف زخارفه الأكثر تهويلاً الشحنة العاطفية لقصة، حين تكون في أفضل حالاتها، قادرة على أن تجعلك تلهث تعاطفاً وسط الرعب.